القضية الكردية قلب ” الشرق الأوسط ” النابض .

حسام الحاج حسين
مدير مركز الذاكرة الفيلية
تُعد القضية الكردية في منطقة الشرق الأوسط مساراً تاريخياً وثقافياً طويلاً، يتأرجح بين الاعتراف الرسمي ومطالب الهوية، حيث يشكل الكرد مكوناً أساسياً في هوية شعوب المنطقة منذ ألاف السنين، مع وجود محاولات احتوائها تاره وتهميشها وأقصائها تاره أخرى يرى البعض أنها قضية تتسم بالتعقيد السياسي والثقافي، ويراها آخرون ثراءً حضارياً يتجاوز محاولات التوظيف السياسي أو التفرقة عبر الحدود المصطنعة .وقد عززت المتغيرات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط تدفق الهوية القومية للأكراد خاصة بعد سقوط البعث في العراق وسوريا .
وتمدد الوجود الكردي بشكل فعال على الجغرافية التي حبستها سايكس بيكو طوال عقود .
اصبحت القضية الكردية اليوم ثابتة وبقوة ومعترف بمشروعيتها دولياً وحيث ان الجغرافية والتاريخ لمصلحتهم في هذه المنطقة الأستراتيجية . أضافة الى دعم الدول الكبرى لهم حيث يعتبر الأكراد حلفاء حقيقيين في محاربة الأرهاب والتنظيمات التكفيرية المعولمة .
لذلك يعتبر انخراطهم في مكافحة الأرهاب حصانة ثابتة في زمن التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة .جاء خريف الدولة القومية في العراق وسوريا بالربيع للأكراد بعد عقود من الظلم والأضطهاد تشكل من سحق الهوية الى تجريف الثقافة ومحاصرة التراث والفلكلور وكل انواع الإبداع القابل للتطور .
بغض النظر عن اسباب التحول والتي تبدأ بالدولية كالعراق او الإقليمية كالذي حدث في سوريا
ان اوضاع الكرد قد تغير حيث يختلف من قرن العشرين الى القرن الواحد والعشرين فلا يستطيع احد ان يهمشهم في اي معادلة جديدة بغض النظر عن الشكل والمضمون .ولايمكن ان تعود عقارب ساعة الإكراد الى الوراء رغم المؤامرات الأقليمية المتواصلة .
لقد تشكل النموذج الأقليمي الكردي في العراق منذ عام 1991 م بعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت بعملية عسكرية عرفت بعاصفة الصحراء قادتها الولايات المتحدة مع 32دولة . مما وضع الأكراد في وضع خاص وتحت الحماية الدولية واكتمل نموذج الحكم الذاتي للأكراد بعد 2003 عند سقوط النظام البعثي . حيث شارك الكرد مع الشيعة والسنة في صناعة القرار السياسي وبناء عملية سياسية ديمقراطية تحت ظل العراق الأتحادي مع الحفاظ على الخصوصية الجغرافية والقومية في منطقة باتت تعرف ب (( أقليم كردستان )) وعاصمتها اربيل .
وفي سوريا وبعد عام 2011 اتاحت الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد مواقع نفوذ جديدة للأكراد وتم تآمين منطقة تتمتع باالأدارة الذاتية تسمى ( روژ آڤا ) بعد عقود من التهميش . وتشكل الجناح العسكري الذي سمي ب قوات سوريا الديمقراطية ( قسد ) وهو يتكون من مكونات عديدة تحت مظلة وقيادة الأكراد .
وكانت حدود الأدارة الذاتية متاخمة لتركيا والعراق و داعش . وقد تصدى الأكراد بقوة للتنظيمات التكفيرية بدعم أمريكي و غربي وايضاً كانت في نفس الوقت تواجه معضلة الإتراك الذين يدعمون هذه التنظيمات بالسر والعلن .
وكانت تركيا تتعامل مع الإكراد في سوريا كما يتعامل الإسرائيليين مع الفلسطينيين والأثنين ( الأتراك و الإسرائيليين ) يرفعون شعار محاربة الإرهاب .!
وقد بلغ الصدام التركي مع الإكراد بعد وصول حكومة الفصائل الى دمشق وفرض الأمر الواقع في سوريا بدعم تركي مطلق . حيث تسلمت جبهة النصرة وقائدها الجولاني مقاليد الحكم على إجزاء واسعة من بلاد الشام وفرض رؤية أنقرة في التعامل مع الأكراد لولا التدخل الإمريكي الذي افضى الى اتفاق آذار بين دمشق والأكراد . ورغم محاولات أنقرة تقويض الأتفاق وأغلاق مسارات الحوار من خلال فرض الحل الأمني والعسكري الا أن الأكراد يتمتعون بضبط النفس الى الرمق الأخير .
لم تكن الهوية الكردية يوما ملكاً لأي حركة سياسية أو شعاراً لأي مشروع خارجي، بل هي امتداد لآلاف السنين من التاريخ، وجزء حي من روح الأمة منذ فجرها .
ورغم العديد من أشكال العنف التي تعرض لها الكورد ، من العنف الدموي كما في حملات الأنفال والكيمياوي وبعدها في الفرمانات الإيزيدية، كان هدفها هو التلاعب بهندسة الهوية الديمغرافية من خلال أشكال العنف وبما فيها العنف السياسي الذي تمارسه الأطراف المختلفة لخدمة مشاريعهم السياسية، من التعبئة الاجتماعية والترويج باالأعلام، حيث تتصاعد أطراف وتتراجع أخرى، من القوميين اليساريين الى الإسلاميين المتطرفين و بحسب ديناميكيات المنطقة التي لاتستطيع ان تحذف الأكراد من التاريخ و الجغرافية .


اترك تعليقاً