صرخة البنزين والرحيل الغامض… بين دم حمودي رياض في أربيل ورحيل الطبيبة بان في البصرة “من يصنع الرأي العام ومن يدفنه؟”

رسول حسين أبو السبح
في بلدٍ تتكاثر فيه الجراح كما تتكاثر مواسم الرياح، لا تعود الدماء مجرد خبرٍ عابر في نشرة الأخبار، بل تتحول إلى مرآة تكشف حقيقة المجتمع، وتفضح ازدواجية الإعلام، وتعرّي خططاً مدروسة تُدار من وراء الستار.
حادثتان متباعدتان في المكان، متقاربتان في الزمان، جمعتهما المأساة وفرّقتهما سرديات الإعلام، مقتل بطل كمال الأجسام حمودي رياض مع اثنين من أبناء جلدته في أربيل على يد عامل محطة وقود بسبب خلاف على “3 لترات بنزين”، ووفاة الطبيبة الشابة بان في البصرة بين رواية الانتحار وفرضية القتل الغامضة.
كلاهما رحيل موجع، لكن أحدهما صُمت عنه صمتاً مُريباً، والآخر تحوّل إلى كرة لهب تتقاذفها القنوات ووسائل التواصل. فما الذي يجعل الدم في أربيل يُمحى سريعاً من ذاكرة الشاشات، فيما يُستثمر دم البصرة لتفجير الرأي العام؟
ثلاث لترات بنزين تساوي ثلاث أرواح… أية مأساة أكبر من أن يتحول شجارٌ على بضع لترات من الوقود إلى مجزرة تقتلع أرواح ثلاثة شباب، أحدهم حمودي رياض، الذي كان رمزاً للقوة واللياقة والإصرار، قبل أن يُسقطه رصاص عامل وقود في لحظة جنون.
المشهد قاسٍ، مدينة هادئة، محطة وقود فارغة، صراخ يتعالى، ثم رصاص يخترق الأجساد. دقائق قليلة كانت كافية ليتحول المكان إلى مسرح دموي. لكن ما بعد الجريمة لم يكن أقل مأساوية، إذ صمتت المنابر الإعلامية، وتجاهلت الحادثة كما لو أنّ الدماء التي سالت ليست عراقية، أو كأن الضحايا ينتمون إلى طبقة “لا يُحسب لها حساب” في ميزان الرواية الإعلامية، أو من الممكن أن هذا الصمت هو نتيجة كون الحادث في إقليم يحبه الله ورسوله.
بان الطبيبة التي أشعلت الأسئلة… على الضفة الأخرى، في البصرة، مدينة الجراح المزمنة، رحلت الطبيبة بان في حادثة غامضة. قيل انتحار، وقيل جريمة قتل، وما بين القولين وُلدت عاصفة إعلامية ضخمة. برامج حوارية، منشورات غاضبة، تحليلات وتكهنات لا تنتهي، حتى غدت القصة “قضية رأي عام”.
لماذا؟ لأن البصرة مدينة شيعية، والضحية من بيئة شيعية، والحادثة قابلة للاستثمار ضمن سردية متعمدة، إبراز فوضى الجنوب وجرائم المجتمع الشيعي وإغراقه بالفضائح. وهكذا تحولت دماء بان إلى وقود لحملات مدروسة، في حين دفنت دماء حمودي رياض ورفاقه تحت رمال الصمت الكثيف.
ازدواجية الإعلام لعبة القبح والانتقاء… قد يقول البعض، “كل حادثة لها ظروفها”، لكن الحقيقة المرّة أن الإعلام في العراق وليس الإعلام العراقي وحده يخضع لمعادلات سياسية وطائفية ومصالح إقليمية.
حين يكون القاتل في أربيل، وحين يكون المكان ضمن إقليم يُقدّم نفسه نموذجاً للاستقرار والتعايش، تُكتم الأصوات، ويُطوى الملف بسرعة، لئلا تُخدش صورة الإقليم أمام العالم.
لكن حين تقع الحادثة في البصرة، حيث تُرسم صورة الجنوب على أنه “مستنقع فوضى”، تُفتح أبواب الاستوديوهات وتُضخ الأموال لتكبير العدسات على كل تفصيل، حتى تتحول القضية إلى سلاح يضرب بيئة بعينها.
بين دم حمودي ودم بان الحقيقة الضائعة… ليس الهدف من المقارنة تسطيح الفاجعتين أو المفاضلة بين دم وآخر، فكلاهما عراقي، وكلاهما أمانة على أعناقنا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تُسلب من بعض الضحايا أبسط حقوقهم في العدالة الإعلامية، بينما يُمنح آخرون ضوءاً كاملاً قد لا ينصفهم بقدر ما يستهلك مأساتهم لأغراض خبيثة؟
دم حمودي ورفاقه كان يستحق أن يصرخ في وجوهنا جميعاً، “ثلاث لترات بنزين لا تساوي ثلاثة أرواح!”. ودم بان كان يستحق أن يُبحث عن حقيقتها بعيداً عن الضجيج المشحون. لكن الذي حدث هو العكس، الإعلام غطّى على جريمة أربيل، وأشعل النار في جريمة البصرة، والنتيجة واحدة، مزيد من الانقسام، مزيد من التشويه، مزيد من العبث بوعي الناس.
استفيقوا قبل أن تُصبحوا مجرد جمهور… قد لا يرغب الكثيرون في سماعها، لكن الصراحة تفرض نفسها، نحن نعيش في زمن تُدار فيه معارك الوعي قبل أن تُدار معارك السلاح. الإعلام اليوم لا ينقل الحقيقة، بل يصنعها، يضخم هنا ويُقلص هناك، يختار أي الدماء تُرفع كرايات وأيها يُمحى كغبار.
حين تُصفع مجتمعاتنا بحملات التشويه، علينا أن نسأل، من المستفيد؟ من يريد أن يظهر الشيعة دائماً في صورة المأساة والفوضى؟ ومن يريد أن يُقدّم إقليماً أو طرفاً ما كأنه واحة للطمأنينة والسلام؟
اخيراً دماؤكم ليست سلعة… إلى روح الطبيبة بان، وإلى روح حمودي رياض ورفاقه، الرحمة والخلود. وإلى المجتمع الذي لا يزال ينام في سباته، دماؤكم ليست سلعة في سوق الإعلام، ولا رصيداً يُتاجر به لتصفية الحسابات.
إن أردتم عدلاً، فطالبوا بعدالة واحدة لا تتجزأ، وإن أردتم رحمة، فكونوا رحماء بالضحايا جميعاً، لا أن تبكوا هنا وتُخرسوا هناك.
لعلنا نستيقظ يوماً قبل أن نصبح جميعاً مجرد عناوين متناقضة على شريط أخبار، يقرر غيرنا كيف تُروى وكيف تُنسى.


اترك تعليقاً