اعتقال رئيس فنزويلا وزوجته من قبل القوات الأمريكية: قراءة قانونية في ضوء قواعد القانون الدولي

بقلم (م.م. حيدر جاسب عريبي البهادلي ) المستشار القانوني المساعد في وزارة التربية/ المديرية العامة للتربية في ميسان.
ورئيس جمعية الميزان لتنمية حقوق الانسان في العراق
مقدمة
في 3 يناير 2026، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق داخل الأراضي الفنزويلية، أسفرت عن اعتقال رئيس جمهورية فنزويلا، نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما جوًا إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات فيدرالية أمام محكمة في نيويورك. 
وقد أثار هذا الحدث جدلاً واسعاً على المستوى الدولي، ليس فقط من زاوية الأهداف المعلنة (الجرائم المنظمة وتجارة المخدرات)، بل أيضًا من زاوية القانون الدولي العام، وخاصة قواعد سيادة الدول، الحصانات الدولية، ومنع استخدام القوة.
⸻
أولاً: طبيعة الحدث وفق التطورات الواقعية
أعلنت وسائل الإعلام أن قيادة الولايات المتحدة شنت ضربة عسكرية في فنزويلا واستُخدمت فيها قوات خاصة أمريكية (قوة دلتا) لاعتقال مادورو وزوجته داخل الأراضي الفنزويلية، وتم ترحيلهما جوًا خارج البلاد نحو نيويورك حيث سيواجهان اتهامات جنائية فيدرالية. 
⸻
ثانيًا: حصانة رؤساء الدول في القانون الدولي
أ- الحصانة الشخصية المطلقة (Immunity Ratione Personae):
ينص القانون الدولي العرفي والاتفاقي على أن رؤساء الدول أثناء ممارسة مهامهم الرسمية يتمتعون بحصانة شخصية مطلقة أمام القضاء الأجنبي، تشمل عدم جواز توقيفهم أو ملاحقتهم قضائيًا خارج دولتهم.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية مذكرة التوقيف (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد بلجيكا) أنه لا يجوز لمحكمة دولة أخرى أن تصدر أوامر توقيف بحق رئيس دولة قائم وأن ذلك جزء من قواعد القانون الدولي العام.
المرجع القانوني:
• Statute of the International Court of Justice (مبدأ الحصانة)
• ICJ, Arrest Warrant Case (2002)
ب- الحصانة أمام العدالة الدولية:
حتى في الجرائم الخطيرة، فإن سقوط الحصانة لا يجوز إلا أمام محاكم دولية مختصة مثل المحكمة الجنائية الدولية (ICC) أو في حال تنازل الدولة نفسها عن حصانتها. ولا يمكن قبول أن دولة أجنبية تلغي الحصانة من جانب واحد استناداً إلى قوانينها الداخلية.
⸻
ثالثًا: مبدأ سيادة الدول وعدم استخدام القوة
أ- الميثاق الأممي ومنع التدخل العسكري:
تنص المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة على سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتحرّم على أي دولة استخدام القوة المسلحة داخل أراضي دولة أخرى إلا في حال تفويض من مجلس الأمن (الفصل السابع) أو حق الدفاع المشروع عند تعرض الدولة لهجوم مسلّح.
لم تفصح الولايات المتحدة عن تفويض صريح من مجلس الأمن بهذا الشأن، مما يثير تساؤلات حول شرعية استخدام القوة داخل فنزويلا.
المرجع القانوني:
• Charter of the United Nations, Arts. 2(4), 51
ب- عدم جواز تنفيذ قوانين دولة في خارج أراضيها:
يُعد من مبادئ القانون الدولي أن الدولة لا يمكن أن تُنَفّذ قوانينها الجنائية في أراضي دولة أخرى بالقوة ما لم يكن هناك اتفاقيات تعاون قضائي واضحة أو تفويض دولي.
وقد أكد مقرر الأمم المتحدة المعني بالحقوق والحريات المدنية والسياسية أن دولة لا يمكنها فرض سلطتها القسرية داخل دولة أخرى دون موافقة صريحة. 
⸻
رابعًا: حدود اختصاص القضاء الدولي
أ- المحكمة الجنائية الدولية (ICC):
لا يمكن اعتبار المحكمة الأمريكية بديلاً عن النظام الدولي الجنائي في حالة رئيس دولة، ولا يترتب سقوط الحصانة إلا في حال اختصاص محكمة دولية وفق نظام روما الأساسي أو قرار من مجلس الأمن.
⸻
خامسًا: تقييم قانوني عام
يرى عدد من الخبراء أن الاعتقال داخل دولة ذات سيادة ونقل رئيسها بالقوة إلى دولة أخرى يعد خرقًا صريحًا لمبادئ القانون الدولي إذا لم يكن هناك تفويض من مجلس الأمن أو اتفاق قانوني واضح. 
كما أن استخدام القوة لفرض سلطة قانونية أجنبية داخل أراضي دولة أخرى دون إذنها يُعد انتهاكاً للمادة (2)(4) من ميثاق الأمم المتحدة.
⸻
خاتمة
تثير واقعة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من قبل القوات الأمريكية ونقلهما إلى الولايات المتحدة إشكالات قانونية جوهرية:
• انتهاك مبدأ الحصانة الشخصية لرؤساء الدول.
• خرق مبدأ سيادة الدولة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
• استخدام القوة بشكل قد لا يتوافق مع التزامات الأمم المتحدة.
وبناءً على قواعد القانون الدولي العام، لا يمكن اعتبار الاعتقال مشروعًا بدون أساس قانوني دولي واضح (مثل تفويض من مجلس الأمن أو موافقة صريحة من فنزويلا)، مما يجعل هذا الفعل موضوع نقاش قانوني وسياسي واسع حول حدود سلطة الدولة الواحدة في النظام الدولي.


اترك تعليقاً