الفضائيون بيننا

بقلم نورا المرشدي
لم تأتِ المركبة من كوكبٍ معادٍ ولم تحمل أسلحة دمار شامل بل جاءت تائهة تبحث عن مكان تهبط فيه بعد أن ضلّت طريقها في الفضاء. وحين فُتحت الأبواب نزلت منها كائنات بملامح بشرية لكن بعقول لا تنتمي إلى الأرض.
لم يتجهوا إلى الغابات ولا الصحارى بل قصدوا المؤسسات الحكومية مباشرة كأن نداءً خفيًا كان ينتظرهم خلف المكاتب الثقيلة والملفات المتراكمة.
أحدهم جلس خلف مكتبٍ خُصص لخدمة الناس لكنه لم يفهم لماذا يغضب الناس أصلًا.
آخر التحق بمؤسسة رقابية يراقب الأختام أكثر مما يراقب الأفعال ويحسب الورق أهم من العدالة.
وثالث صعد سلّم القرار بسرعة مذهلة يتخذ قرارات مصيرية ببرود كوني لا يسمع أنين الشارع ولا يرى وجوه المنتظرين في الطوابير.
كانوا يؤدون وظائفهم بدقة آلية بلا إحساس بلا تردد بلا سؤال أخلاقي واحد.
لا يعرفون معنى أن ينتظر مواطن ساعات من أجل توقيع
ولا يدركون كيف يمكن لقرارٍ مرتجل أن يثقل حياة آلاف العائلات.
الأغرب أنهم لم يُفرضوا بالقوة
بل اندمجوا بسلاسة…
لأن البيئة كانت مهيأة لاستقبالهم.
في عالمهم الأصلي لا يوجد فقر ولا محاسبة ولا ذاكرة.
وفي عالمنا وجدوا نظامًا يسمح أن يكون الغريب أقرب إلى الكرسي من صاحب الحق وأن يصبح الصوت البارد أعلى من صوت الضمير.
وهكذا صار المواطن يتعامل مع مؤسسات لا تشبهه ويتحدث مع موظف كأنه يخاطب كائنًا من كوكب آخر لا يفهم ألمه ولا يشاركه خوفه ولا يعترف بخطئه.
لم نُحتل من الخارج
بل تُركنا تحت إدارة من لا يشعر بنا
فضائيين بهيئة بشر…
يعيشون بيننا لكنهم لا ينتمون إلينا.
ويبقى السؤال معلقًا:
هل المشكلة في الفضائيين أم في الأرض التي سمحت لهم أن يصبحوا جزءًا من المشهد؟


اترك تعليقاً