ازدواجية الدول في التعاطي مع احتلال غزة… إدانة في العلن ودعم في الخفاء

نبيل سمارة
لا يكاد يمر يوم منذ إعلان إسرائيل نيتها فرض سيطرة عسكرية مباشرة على قطاع غزة، إلا وتخرج العواصم العالمية ببيانات شجب واستنكار. كلمات رنانة تتحدث عن “رفض الاحتلال” و”احترام القانون الدولي” و”ضرورة الحل السياسي”. لكن، حين تنقشع ضوضاء المؤتمرات الصحفية، يتضح المشهد الحقيقي: دعم سياسي وعسكري ومالي لإسرائيل، يكاد ينسف كل ما قيل علنًا.
كيف يمكن لعواصم كبرى، وعلى رأسها واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، أن ترفض الاحتلال في بياناتها، بينما تواصل تزويد إسرائيل بالسلاح والغطاء الدبلوماسي في مجلس الأمن؟!
كيف يمكن لمنظمة تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان أن تغض الطرف عن مقتل الآلاف وتشريد مئات الآلاف في غزة، بحجة “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، بينما تعتبر أي رد من المقاومة “عملاً إرهابيًا”؟
هذه ليست مجرد تناقضات، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إبقاء الكفة راجحة لصالح إسرائيل، حتى وإن تم تغليفها بخطاب دبلوماسي ناعم.
على الجانب العربي، لا شك أن المواقف الرافضة للاحتلال كانت واضحة وقوية على المستوى الإعلامي والسياسي. لكن غياب أي تحرك فعلي – اقتصادي، دبلوماسي أو حتى رمزي – يجعل هذه المواقف تبدو وكأنها جزء من مشهد الخطابات، لا من مشهد الفعل. إسرائيل تراهن على هذا العجز العربي، وتعرف أن أي قرار جماعي حقيقي ضدها يحتاج إلى معجزة سياسية.
الرفض الدولي للاحتلال يمكن أن يكون ورقة قوة في يد حركة حماس، لكن الغرب وضع لها سقفًا منخفضًا للغاية: لا اعتراف سياسي، لا دعم مباشر، وبقاء تصنيفها “منظمة إرهابية” على حاله. النتيجة أن غزة تبقى محاصرة، حتى لو تغيّر شكل الحصار.
إسرائيل تعرف جيدًا كيف تستثمر الوقت والمواقف الدولية المائعة. هي لا تحتاج لإقناع العالم بعدالة خطتها، بل فقط لكسب بضعة أشهر حتى يصبح وجودها العسكري في غزة “أمرًا واقعًا” لا يجرؤ أحد على تغييره. ومع استمرار تدفق الدعم الغربي، لن يكون الرفض العربي أو الدولي أكثر من تسجيل موقف في أرشيف الأمم المتحدة.
المشهد اليوم يقول بوضوح: من يدّعي رفض الاحتلال بينما يسلّح المحتل، ليس محايدًا. من يبكي على المدنيين في غزة ثم يمنع قرارًا أمميًا لوقف إطلاق النار، لا يختلف كثيرًا عن من يضغط على الزناد.
وهكذا، تبقى معركة غزة ليست فقط بين المقاومة وإسرائيل، بل بين الحقيقة والزيف، وبين شعارات الأخلاق وواقع المصالح. والسؤال المرير: هل ينتصر الحق بالقوة، أم تظل القوة قادرة على كتابة روايتها إلى أن ينهض العالم من ازدواجيته؟


اترك تعليقاً