
كلثوم الجوراني
كانت (هَنا) تقف أمام شباك غرفتها المطلة على حديقة
منزلها العتيق، تتسرب أشعة الشمس الذهبية عبر الزجاج لتدفئ وجهها الذي حفرت عليه السنون أخاديدها. كانت تراقب شجرة التوت الضخمة التي ورثتها عن والدتها، والتي كانت شاهدة على مراحل حياتها كلها. كانت هي الغصن وتلك ورقة صفراء وحيدة بقيت تتشبث بها.
-الحفيف نبضي والشمس مؤونتي- تمتمت (هَنا) لنفسها، مستعيدة كلمات كتبتها في دفتر يومياتها منذ زمن بعيد.
لقد ولدت على هذا الغصن، وترعرعت في كنفه، وبينهما ميثاق بقاء لا يقطعه إلا الموت. كانت (هَنا) ترى في الشجرة انعكاساً لحياتها ففي داخلها تسري الحياة لتخضر الأوراق وتزدهر الثمار. وعالمها، رغم صمته الظاهري، كان مليئاً بلغات وأنغام، وحتى آهات وبكاء. كانت ترى فيه حياة البشر، يسقط البعض ويتشبث البعض، وبعض البقاء يصبح عبئاً.
اقترب الخريف، وأخذت الريح تعصف بالأشجار، متجردة إياها من زينتها الخضراء. ورقة تلو أخرى كانت تهوي، تاركة الغصن أعزلاً يواجه الريح بمفرده. لكن تلك الورقة الصفراء، التي كانت شبه أملاُ، ظلت تقاوم. كانت باهتة اللون، لكنها كانت لا تزال هناك، تلوح خافتة في مهب الريح.
كل ليلة، كان الخوف يتملك قلب (هَنا). “كيف يرحل عنكِ من اعتاش على نبضكِ وقاسمتِه كل ما لديكِ، وازدهر على أكتافكِ وفي كنفكِ، ثم يترككِ هكذا دون وداع حتى؟” كانت هذه الفكرة تؤرقها اذ ترى في الورقة انعكاسا لروحها. كانت تتأمل الورقة، تخشى أن يأتي الصباح وتكون قد رحلت مع الراحلين. وحين تشرق الشمس، كان خوفها يتأجج، ظناً منها أن أشعتها تزيدها اصفراراً فتعجل بالرحيل. بين الظلمة والضياء، كانت روحها تذوي شيئاً فشيئاً.
كان الريح يداعب الورقة، ويخلق في قلبها رعشة خوف عليها. كانت تغالط رؤيتها، فرغم اصفرارها، كانت تراها خضراء زاهية. ورغم أنها كانت تلوح للسقوط، كانت تراها تتشبث بها. أوهم نفسي لأنني أحبها، ولأنها أملي الوحيد، فكرت (هَنا). أنا من دونها غصن أجرد تلفحه رياح الخريف لتزيد من جفافه، حتى وكأنه فارق الحياة.
كل يوم كان القلق يزداد من القادم المحتوم الذي لا خلاص منه ستغادر رفيقتها، قاصدة تلك الورقة التي تتمسك بالغصن رغم ضعفها وسترحل معها أيامها الجميلة. كانت رغم سكونها نديمتها، وانعكاس نور القمر على وجهها كان يؤنسها وهي تغط في نوم عميق، لا تعلم أن قلبها ينسج الحب لها. كانت تتخيل قيثارة الأمل تعزف ألحاناً لها، لعلها تصحو من نومها فتمسك بها بقوة كي لا تسقط.
وأشرقت الشمس مرة أخرى، لكن شروقها الجميل هذه المرة لم يزح سوى الأحلام. سقطت الورقة. راقبت (هَنا) سقوطها وهي تسبح في الهواء، وكأنها تخط على وجهه كلمات الوداع الأخيرة. مدت يدها، محاولة الإمساك بها، لكن دون فائدة. لقد سقطت، ربما لتجرب حياة أخرى غير الحياة الآمنة التي كانت تعيشها بين أحضانها.
تنهدت (هَنا) : أعلم رغم قساوة الخريف واستبداد الشتاء، إلا أن وريقات الأمل ستحيط بي من جديد، غضة خضراء، قالت لنفسها بصوت خفيض :ولكن تلك الورقة أوجعت قلبي برحيلها. لقد كانت معينة على وحدتي رغم أنها كانت تستلهم نبضاتي لتعيش حفرت في ذاكرتي شقاً كأنه زعيم الجروح، وقابلت إحساني بالنكران.
نظرت (هَنا) إلى الغصن العاري، ثم إلى الورقة الصفراء التي استقرت على الأرض، وقد حطت على بعد أمتار قليلة. ابتسمت ابتسامة حزينة. صحيح أن الورقة قد رحلت، لكنها تركت أثراً عميقاً في نفسها، وأيقظت فيها إحساساً بالحياة والموت، بالحب والخسارة. كانت تعلم أن الحياة تستمر، وأن أغصاناً جديدة ستنبت، لكن تلك الورقة الصفراء ستبقى خالدة في ذاكرتها، ذكرى لوادع مؤلم، وأمل لا ينتهي.


اترك تعليقاً