حين يُباع الله في سوق المنافع “قراءة إسلامية خمينية في المتاجرة بالدين
رسول حسين أبو السبح
من أكثر المشاهد إيلامًا في واقعنا المعاصر، أن ترى أقوامًا يتصدّرون المشهد الإسلامي، يرفعون راية الدين ويستعرضون شعارات التقوى والولاء، لكنهم في قرارة أنفسهم لا يعبدون إلا مصالحهم، ولا يخدمون إلا ذواتهم. إنهم يُتقنون لبس عباءة الدين، لكنهم خواءٌ من داخله. خطباؤهم، فقهاؤهم، تجارهم، زعماؤهم، كلٌّ منهم يمارس دورًا تمثيليًا بلباس الإيمان، بينما جوهره لا يعدو أن يكون جزءًا من مشروع دنيوي يُعبَد فيه الكرسي، لا الربّ.
“يقولون آمَنّا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين، يُخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون”
(البقرة: 8–9)
في زمن كهذا، حيث تختلط الأصوات الصادقة بالأصوات المصطنعة، يبرز صوت الإمام الخميني قدس سره، ليهتك القناع عن الدين المزيف، ويُظهر خطر “الروح الاستكبارية المتدينة” التي تنهش الجسد الإسلامي من الداخل.
يؤكد الإمام الخميني، أول ما ينبغي تطهيره هو المنبر، في حديثه عن واقع المؤسسة الدينية، لم يُجامل الإمام الخميني أحدًا، بل قال بصراحة لا تعرف التملّق:
“الخطر لا يأتي من الخارج وحده، بل الأخطر منه هو الخطر من الداخل… من أولئك الذين يستخدمون الدين لمصالحهم… والويل كل الويل إن تسلّل الشيطان إلى المنبر”
(صحيفة الإمام، ج4، ص135)
إنه لا يُدين الخطاب الخارجي فحسب، بل يبدأ من حيث يجب أن يبدأ الإصلاح، من داخل العباءة الدينية نفسها. فالمصيبة، كما يشخّصها، أن يتحول الدين إلى وسيلة تسويق، والعمامة إلى علامة تجارية، والمنبر إلى أداة لتمكين الاستبداد أو تثبيت المصالح الفئوية.
الدين الحركي أم الدين الوظيفي؟ بينما نجد في خطاب الإمام الخميني دعوة إلى “دين ثائر، محرّك للشعوب، مزلزل للظالمين”، نجد عند أولئك الانتهازيين دينًا هادئًا، مطواعًا، منزوعًا من روحه التغييرية.
“هناك من يروّجون دينًا لا يهزّ عرش الطاغوت، بل يُؤمن له الشرعية”
(صحيفة الإمام، ج6، ص227)
الإمام كان يرى أن معيار صدق التدين ليس كثرة الألفاظ، ولا طول السجود، بل ماذا تفعل حين يتقاطع الحق مع مصلحتك؟، هل تصمت حين يُذبح شعب؟، هل تُبرّر للطاغية لأجل المنصب؟، وقد حذّر الإمام الخميني مرارًا من علماء السوء الذين “يتعاملون مع الدين كبضاعة في سوق السياسة”.
الدولة ليست هدفًا، بل وسيلة لنصرة المستضعفين، بينما يرى الإسلاميون الانتهازيون في الدولة وسيلة لامتلاك السلطة، كان الإمام الخميني يُكرّر أن غاية الدولة الإسلامية هي نصرة المستضعف ومحق رأس المستكبر، حيث قال:
“إذا تحوّلت الجمهورية الإسلامية إلى أداة لخدمة الطبقة الغنية، أو للمتسلّقين على الدين، فهذه خيانة لله والرسول”
(صحيفة الإمام، ج21، ص34)
وقد قال كلمته الصاعقة التي لم ترق للكثير من أهل “النفوذ الديني”:
“ويلٌ لحكومةٍ لا تسكن في قلب المحروم، ولا يُشعر بها المظلوم”
(المصدر نفسه)
بينما نرى اليوم مشاريع “إسلامية” كُبرى تتفنّن في بناء الأبراج، ونيل الصفقات، وشراء الذمم، وتبرير التطبيع، يغيب صوت الفقير عن أولوياتها، وكأنما الدين نزل فقط لحماية المقاعد والمكاسب، لا لنصرة الإنسان.
منطق المقاومة، أم منطق المقاولة؟، في عبارات الإمام الخميني، نجد أن أحد أخطر التشوّهات هي تحويل المقاومة إلى شعار تجاري:
“كل من يستخدم شعار فلسطين، أو الإسلام، أو الوحدة، لأجل كسب النفوذ، فهو خائن لهذه المبادئ المقدسة”
(صحيفة الإمام، ج12، ص98)
اليوم، نرى بعض القوى الإسلامية تنشئ شركات، وتمتلك أسواقًا، وتدير ملفات اقتصادية باسم “خدمة الدين”، لكنها تخنق الفقراء، وتبني إمبراطورياتها الخاصة، وكأن المقاومة صارت مشروعًا ربحيًا لا مشروعًا لله.
فقه الشهداء أم فقه النُخب؟، كان الإمام الخميني يُحذّر من دينٍ تصنعه النُخب لأجل أنفسها، ويُقصى فيه المجاهد، ويُهمَّش فيه الشهيد، فيقول:
“من أراد أن يقيس الدين بعقلية الأرستقراطي، فقد باع الإسلام وهو لا يشعر”
(صحيفة الإمام، ج5، ص146)
دين الإمام الخميني دين الحسين عليه السلام لا دين يزيد، دين محراب علي لا عرش معاوية، دين الفقراء لا دين أهل المال.
هذا هو المقياس، نحن لا نُكفّر أحدًا، ولا نحتكر الفهم، لكننا نملك بوصلة واحدة لا نحيد عنها:
“من كان مع الله، كان لله، وتحرّك لله، وصمت لله، وتكلّم لله، وعادى لله، ووالى لله”
أما من تديّن بلسانه، وتحالف مع الظالم بقلبه، وسكت عن الحق بمصلحته، فهو بعيد عن الله وإن حفظ القرآن، وارتقى المنابر.
لقد قالها الإمام الخميني بكل وضوح:
“ميزان الحق، هو مواجهة الظلم، والدفاع عن المستضعف. وكل من حاد عن هذا الخط، فإن عمامته لا تشفع له، ولا شعاراته تبرّره”
(صحيفة الإمام، ج17، ص 21)


اترك تعليقاً