الاقتحامات والانتخابات: كيف غدا الأقصى مشروعاً للاستثمار السياسي؟.
أ.م.د. حامد العلي
باحث متخصص في الشأن الإسرائيلي
مع اقتراب كل سباق انتخابي في إسرائيل، تتجاوز قضية المسجد الأقصى أبعادها الدينية والتاريخية، لتتحول إلى ملف سياسي حاسم لدى الأحزاب الإسرائيلية, وتتصدر وعود السيطرة وإقامة الهيكل المزعوم على كامل مساحته واجهة الدعاية الانتخابية. وفي ظل الصراع المحتدم على أصوات الناخبين، تسعى تيارات اليمين, لاسيما تيار الصهيونية الدينية، إلى تحويل المسجد الأقصى من رمز ديني إلى ورقة تعبئة شعبية وبوصلة لتوجيه الناخب اليهودي نحو صناديق الاقتراع.
وهنا لم تعد عمليات اقتحام المسجد الأقصى مجرد ممارسات تعبدية أو زيارات فردية، بل أخذت طابعاً سياسياً منظماً يستهدف إعادة صياغة الوعي المجتمعي للشارع الإسرائيلي. وتبنت الأحزاب اليمينية المتطرفة علناً تقديم قادتها كحماة للهيكل، عبر رفع شعارات المطالبة بتغيير الوضع القائم وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى, وإلغاء دور الأوقاف الإسلامية، وتمكين اقامة الصلوات والطقوس اليهودية كخطوة أولى نحو ضمان تحقيق التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى, والتي يمكن أن تمهد حسب أفكارهم لإمكانية إقامة الهيكل المزعوم. وما الاقتحامات التي تقودها الأحزاب اليمينية إلا نموذجاً واضحاً لهذا التوظيف السياسي، ورسالة انتخابية موجّهة للجمهور المتدين والقومي، مفادها أن السيادة اليهودية على الاقصى ليست مجرد شعار، بل هي جوهر المشروع السياسي اليميني.
وقد أثبتت التجربة السياسية أن الاستثمار في الملف الديني والتحريض على الاقتحامات يحقق عوائد انتخابية كبيرة في صناديق الاقتراع. ولعل النموذج الأبرز يكمن في كيفية تحوّل وزير الأمن القومي بن غفير من تمثيل هامشي لم يتعدى المقعد الواحد خلال انتخابات العام 2021م إلى قفزة تاريخية حصد فيها مع تحالف الصهيونية الدينية 14 مقعداً داخل الكنيست خلال انتخابات العام 2022م.
وبذلك تحولت اقتحامات المسجد الأقصى من شأن ديني إلى أداة ضغط سياسية, ونقطة الارتكاز الأولى للوصول إلى السلطة. كونها الدعاية الانتخابية الأقل تكلفة والأكثر فاعلية في الشارع اليميني الاسرائيلي، ولا تحتاج سوى صورة من داخل المسجد الأقصى لترجمة أفكار وبرامج المرشح.
ومن خلال مسار الأحداث, يبدو أن تحويل المسجد الأقصى إلى ساحة للاستثمار السياسي والانتخابي لم يعد تكتيكاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء الاقتراع، بل تحوّل إلى استراتيجية ثابتة تعتمدها التيارات المتطرفة لإعادة تشكيل المشهد السياسي الإسرائيلي. لاسيما بعد كشف سعي الاحتلال في التحوّل والانتقال من سياسة الخطوة- خطوة والتدرج الى مراحل التنفيذ المباشر, والتي بدأت اليوم بأولى خطواتها التي اخذت شكل عمليات العزل لبعض المناطق ببوابات حديدية, تمهيداً لمنع المقدسيين من الاتصال المباشر بأحداث المسجد الأقصى في المستقبل. فضلاً عن سياسة الابعاد القسري التي طالت الكثير من الفلسطينيين. وهذا التوجه المكشوف ينذر بإمكانية تفجير الوضع في المنطقة وبداية فصل جديد من مراحل الصراع العربي- الفلسطيني. ويتطلب بدوره ردود فعل تتجاوز مرحلة الإدانة والاستنكار, والانتقال إلى استراتيجية عمل جادة للحفاظ على الحقوق الشرعية والتاريخية والقانونية للمسجد الأقصى, والتي مازالت محفوظة ضمن الوصايا الهاشمية والاوقاف الإسلامية الموثقة في الأمم المتحدة.


اترك تعليقاً