حنظلة في قبضة الكيان “حين اقتحمت إسرائيل البحر وغرقت الأمة الإسلامية في صمتها”

رسول حسين أبو السبح
في زمن تتداخل فيه المآسي وتتعطل فيه البوصلة الأخلاقية، تحرّكت سفينةٌ صغيرة من ميناء إيطالي، حاملةً اسمًا لا يُنسى، حنظلة. لم تكن مجرد سفينة إغاثة، بل كانت شهادة حيّة على قبح الصمت الدولي وبلادة الضمير العربي والإسلامي تجاه حصار غزة. على متنها أكثر من 21 ناشطًا دوليًا، جاؤوا حاملين القليل من الغذاء والكثير من الكرامة، معتقدين أن البحر قد يُنصف من فشل فيه البر.
حنظلة… عندما أبحرت الكرامة، انطلقت سفينة “حنظلة” من مدينة غاليبولي الإيطالية، في العشرين من تموز/يوليو 2025، متحدّية الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ أكثر من 18 عامًا، وهي تحمل مساعدات إنسانية رمزية، لكنها مفعمة بالدلالات السياسية. حملت السفينة على متنها نشطاء من دول مثل إسبانيا وإيطاليا وتركيا وكندا، جميعهم قرروا التحدي تحت راية “الحق في الحياة”.
قبل أن تتحرك، تعرّضت السفينة لمحاولات تخريبية خفية، يُعتقد أن لها صلة بالاستخبارات الإسرائيلية، تم ربط كابل بمحركها، وسُلمت شحنة مياه ملوثة تسببت في إصابات بين الطاقم، بحسب ما أكده تحالف أسطول الحرية ومنظمات داعمة مثل CODEPINK ,Palestine ,Chronicle.
الكيان يهاجم في المياه الدولية… بعد اقتراب السفينة من سواحل غزة، ومع انتشار الأنباء عن رصد طائرات مسيّرة إسرائيلية، فُقد الاتصال معها مساء الجمعة 25 يوليو. وفي ساعات الصباح الأولى من اليوم التالي، أكدت وسائل إعلام إسرائيلية تنفيذ عملية إنزال بحري، اقتحمت خلالها وحدة كوماندوس السفينة في المياه الدولية، على بُعد أكثر من 64 كيلومترًا من الشاطئ، وتم احتجاز جميع من عليها وسحبهم إلى ميناء أشدود.
لم تُسجّل إصابات، لكن الهجوم فُسّر قانونيًا على أنه انتهاك صارخ للقانون الدولي البحري، خاصة أن السفينة لم تكن تحمل أسلحة ولا مواد ممنوعة، وفق تقارير أولية من منظمات حقوقية دولية.
ردود فعل دولية… وخذلان عربي رسمي، الأمم المتحدة عبرت عن “قلقها البالغ”، مطالبةً بتفسير رسمي من إسرائيل، في حين أدانت منظمات مثل العفو الدولية (Amnesty) وهيومن رايتس ووتش ما سمّته “قرصنة بحرية”.
أما في العواصم العربية، فكان الصمت هو الرد الوحيد. لا بيان رسمي من جامعة الدول العربية، ولا حتى استنكار من منظمة التعاون الإسلامي. وحدها بعض الأصوات الشعبية في مواقع التواصل، خصوصًا في العراق وايران واليمن ولبنان، حاولت إحياء الحدث من خلال هاشتاغات مثل #أنقذوا_حنظلة و#ارفعوا_الحصار.
في المقابل، الحكومة الإسرائيلية اعتبرت ما جرى “إجراءً دفاعيًا”، متهمةً المشاركين بمحاولة “تحريض إعلامي ضد أمن إسرائيل”، ومصرّةً على أن “غزة ليست بحاجة لسفن، بل لتغيير حكومتها”، بحسب ما ورد على لسان المتحدث باسم جيش الاحتلال.
الحصار مستمر… والمجاعة تشتد، وفق تقارير أممية، يعاني سكان قطاع غزة – الذين تجاوز عددهم 2.2 مليون – من نقص حاد في الغذاء والدواء، خصوصًا بعد إغلاق جميع المعابر، وتدمير البنية التحتية بسبب الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023. أكثر من 500 طفل فقدوا حياتهم بسبب سوء التغذية خلال الأشهر الماضية، بحسب منظمة “أنقذوا الأطفال”.
لكن المفارقة المؤلمة أن المساعدات التي حُملت على متن حنظلة لا تقارن بمستوى الاحتياج، إنما كانت صرخة ضمير، لا شحنة إغاثة.
أمة المليار… نائمة على بحر من الخذلان، في وقت تُعتقل فيه نساء وأطفال غزة بلا غذاء، وتهدر فيه سفن الكرامة في عرض البحر، تواصل الأنظمة الإسلامية الكبرى صمتها. لا بيانات ولا مؤتمرات قمة، وكأن المشهد لا يعنيها.
حنظلة، الذي ابتكره ناجي العلي كرمز للنظال في 1969، أصبح اليوم رمزاً لصمت الشعوب وقهر الأطفال، وعاد اليوم في سفينة، لا كرسمة على جدار، بل كجسد قابل للقصف والاختطاف. سُحِبت حنظلة إلى ميناء المحتل، بينما سُحبت كرامة الأمة إلى بئر سحيق من التجاهل.
حين لا تُكسر القيود… ولكن تُفضح، “حنظلة” لم تُحرر غزة، ولم تُكسر الحصار، لكنها حرّرت الوعي ولو قليلًا. كشفت أن الصراع ليس فقط بين فلسطيني وإسرائيلي، بل بين من يملك ضميرًا ومن يفضل أن يغمض عينيه.
يبقى السؤال معلقًا في عرض المتوسط، كم حنظلة سنحتاج بعدُ… حتى تستيقظ أمة نبيّها اسمه محمد؟


اترك تعليقاً